تخطَّ إلى المحتوى

ما هو التكافل، وما الفرق بينه وبين التأمين التقليدي؟

16 سبتمبر 2026 5 ربيع الآخر 1448 هـ هـ

تدفع اشتراكًا كل شهر. إن لم يصبك مكروه، يبقى المال حيث هو. وإن أصابك مكروه، تقبض أضعاف ما دفعت.

بهذا الشكل، للتأمين التقليدي بنية بدت إشكالية للفقهاء المسلمين منذ اللحظة الأولى. ومن تلك الإشكالية وُلد التكافل، وهو ليس "تأمينًا إسلاميًا" بمعنى تأمين عادي وُضعت عليه تسمية، بل صيغة مبنية على منطق مختلف تمامًا.

يشرح هذا المقال ذلك المنطق، والقرارات التي أرستـه، وتوترًا حقيقيًا بين النموذج النظري والمعيار المطبَّق في السعودية.

لماذا يطرح التأمين التقليدي إشكالًا

حدد الفقهاء ثلاثة عناصر.

الغرر (عدم اليقين المفرط). في عقد البيع والشراء، يجب أن تعرف ما تعطيه وما تأخذه. أما في التأمين فلا تعرف: فقد تدفع عشرين عامًا ولا تقبض شيئًا، أو تدفع قسطًا واحدًا وتقبض ثروة في الشهر التالي. ولا يعرف أي من الطرفين ما سيتبادله فعليًا.

الميسر (المقامرة). ومما سبق تنشأ بنية تشبه بنية القمار: يربح أحد الطرفين على حساب الآخر بحسب وقوع حدث غير مؤكَّد أو عدمه.

الربا. فقد كانت شركات التأمين تقليديًا تستثمر الأقساط في أدوات تولّد فائدة.

وصاغ مجمع الفقه الإسلامي التشخيص بدقة: إن عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي تعمل به الشركات يحتوي على غرر كبير يفسد العقد، ولذلك فهو محرَّم.

كما فنّد المجمع المقارنات التي طُرحت لتبريره. فمثلًا، المقارنة بالوديعة ذات العائد: ففي الوديعة، يقابل العائد عملًا يقوم به الحافظ لحفظ الشيء؛ أما في التأمين، فما يدفعه المؤمَّن له لا يقابله عمل من المؤمِّن، بل مجرد ضمان للطمأنينة، واشتراط عوض مقابل ضمان غير صحيح.

القرارات التي حسمت الأمر

هذا ليس رأيًا فرديًا متناثرًا. بل هناك قرارات مؤسسية محددة، اثنان منها سعوديان.

هيئة كبار العلماء في السعودية، في دورتها العاشرة المنعقدة بالرياض بتاريخ 4/4/1397هـ، اتخذت قرارين متكاملين: القرار رقم 51، الذي يُجيز التأمين التعاوني ويعتبره متوافقًا مع أحكام الشريعة، والقرار رقم 55، الذي يحرّم التأمين التجاري.

مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الأولى المنعقدة بمكة المكرمة بتاريخ 10 شعبان 1398هـ، بحث المسألة في ضوء ما قررته هيئة العلماء السعوديين، وقرر بالأغلبية تحريم التأمين التجاري بجميع صوره — على الأشخاص أو البضائع أو أي مال آخر — وجواز التأمين التعاوني.

وملاحظة من باب الأمانة: تلك الأغلبية لم تكن إجماعًا. فقد خالف الشيخ مصطفى الزرقا، وهو فقيه من الطراز الأول، وذهب إلى جواز التأمين التجاري. وموقفه أقلي، لكنه موجود ويجدر معرفته.

مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة كان قد أصدر عام 1965 قرارًا يُجيز التأمين التعاوني.

والبديل الذي تشير إليه المجامع دائمًا هو نفسه: عقد التأمين التعاوني، القائم على التبرع والتعاون، وكذلك الأمر بالنسبة لإعادة التأمين.

كيف يعمل التكافل

التحول المفاهيمي هو هذا: تتوقف عن شراء تغطية، وتبدأ في المساهمة في وعاء مشترك.

صندوق التبرع

يقدّم المشاركون مبالغ إلى صندوق بنية التبرع بها لإغاثة من يصيبه ضرر من بينهم. أنت لا تشتري شيئًا: أنت تساهم في آلية تعاضد يستفيد منها أنت أيضًا.

وهذا يُبطل إشكال الغرر. ففي البيع والشراء، عدم اليقين بشأن المتبادَل يُبطل العقد. أما في التبرع، فلا يوجد عوض يُقاس، فلا يُفسد عدم اليقين شيئًا.

وكما تلخّصه الصياغة الكلاسيكية: هو تعاون مجموعة من الأشخاص المعرَّضين لنوع واحد من الخطر لتعويض ما قد يصيب أحدهم من ضرر، عبر الاشتراك بمبالغ يُدفَع منها التعويض لمن يصيبه الضرر. وهذا يندرج تمامًا تحت المأمور به: التعاون على البر والتقوى.

المُشغِّل ليس هو المؤمِّن

هنا يكمن الفارق البنيوي الثاني. ففي التأمين التقليدي، الشركة هي الطرف المقابل لك: تتحمل المخاطرة وتحتفظ بالربح.

أما في التكافل، فالشركة تدير صندوقًا ليس ملكها. تعمل كمدير مقابل أجر، وتتحمل المخاطر جماعيًا مجموعة المشاركين.

وهذا يستلزم حسابات منفصلة: مال المشاركين من جهة، ومال المساهمين من جهة أخرى.

ماذا يحدث بالفائض وبالعجز

  • إن أقفلت السنة المالية وقد حصّل الصندوق أكثر مما دفعه من تعويضات ومصروفات، فهناك فائض. وفي النموذج النظري، يعود ذلك الفائض للمشاركين.
  • وإن قصّر الصندوق عن الوفاء، فعادةً ما يُقدِّم المُشغِّل قرضًا حسنًا يُسترَد من الفوائض المستقبلية.

نماذج الأجر

  • الوكالة: تتقاضى الشركة عمولة ثابتة مقابل الإدارة، بصفتها وكيلة.
  • المضاربة: تشارك الشركة في نتيجة استثمار الأموال بنسبة محددة.
  • الهجين: عمولة على الإدارة، ومشاركة في نتيجة الاستثمار. وهو الأكثر انتشارًا.

وجهًا لوجه

التأمين التقليديالتكافل
الطبيعةشراء تغطيةتبرع لصندوق مشترك
دوركعميلمشارك ومالك شريك في الصندوق
من يتحمل المخاطرةالشركةمجموع المشاركين
لمن يعود المالللشركةلصندوق المشاركين
الفائضربح للشركةيعود للمشاركين
الحساباتواحدةمنفصلة
الاستثماراتدون قيودمتوافقة مع الشريعة فقط
الرقابة الشرعيةلا توجدلجنة شرعية
إن دخل الصندوق في عجزلا ينطبققرض حسن من المُشغِّل

النموذج السعودي: كل التأمين تعاوني بحكم القانون

لا تملك السعودية سوقًا للتأمين التقليدي مع بعض شركات تكافل إلى جانبه. بل تملك نموذجًا قانونيًا واحدًا.

نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني، الصادر بـالمرسوم الملكي رقم م/32 بتاريخ 2/6/1424هـ، يبني القطاع بأكمله على أساس التأمين التعاوني. ويشترط كذلك أن تكون شركات التأمين شركات مساهمة عامة، تُؤسَّس بترخيص بموجب مرسوم ملكي.

وانتقلت الرقابة على القطاع من البنك المركزي السعودي إلى هيئة تأمين مستقلة في نوفمبر 2023.

وهذا يعني أن أي وثيقة تعاقدها في المملكة هي، من الناحية الشكلية، تأمين تعاوني. وهو ما يقود مباشرة إلى السؤال المُحرِج.

مسألة الـ10% والـ90%

في النموذج النظري للتكافل، يعود الفائض للمشاركين. فلنرَ ماذا يقول المعيار السعودي.

تنص اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني على توزيع صافي الفائض كالتالي:

توزيع 10% على الأقل مباشرة على المؤمَّن لهم، أو تخفيض أقساطهم للعام التالي، وتحويل الفائض المتبقي إلى حساب نتائج أعمال المساهمين.

وتُحدِّد الصياغة المُحدَّثة تلك النسبة (10%) بوصفها حدًا أدنى: يجب على الشركة توزيع 10% على الأقل من الفائض على المؤمَّن لهم، ويُحوَّل الفائض المتبقي إلى حساب المساهمين.

كيف يُحسب نصيبك. تنشر الجهة المنظِّمة السياسة المعتمدة بالمعادلة التالية:

اشتراك الوثيقة × إجمالي فائض الفئة ÷ إجمالي اشتراكات جميع الوثائق المستحقة

وتفصيل عملي: يمكن أن يُدفَع المبلغ كرصيد في حسابك يُخصَم من أقساط مستقبلية، أو بشيك أو تحويل بنكي. والمبالغ الأقل من 500 ريال لا يلزم إرسالها بشيك أو تحويل.

ماذا تفعل بهذه المعلومة

هنا لا بد من الدقة، وعدم التبسيط في أي من الاتجاهين.

ما هو حقيقة يمكن التحقق منها: في النموذج المفاهيمي للتكافل، يعود الفائض للمشاركين، ويخصص المعيار السعودي للمؤمَّن لهم حدًا أدنى قدره 10%، ويمكن أن يذهب الباقي للمساهمين.

وما هو حقيقة أيضًا: أن الشركة تتحمل تكاليف الإدارة، وتقدّم رأس المال المطلوب، وأن أجر المُشغِّل في نماذج التكافل — مقابل الإدارة والاستثمار — أمر مشروع ومنصوص عليه. فالنقاش ليس هل يحق للمُشغِّل أن يتقاضى أجرًا، بل أين يُرسَم الخط.

وما لن نفعله هو الحكم على ما إذا كان نموذج التوزيع السعودي يستوفي مبادئ التكافل استيفاءً كاملًا. فهذا شأن العلماء، وهو نقاش قائم بين المختصين.

وما يفيدك معرفته فعلًا: أن لك حقًا في جزء من الفائض، وأن هناك معادلة منشورة لحسابه، وأنه بإمكانك أن تسأل شركة التأمين الخاصة بك كم كان نصيبك في السنة المالية الأخيرة وكيف صُرف لك. فكثير ممن لديهم وثائق في المملكة لا يعرفون أن هذا الحق موجود أصلًا.

ما تتحقق منه في وثيقتك

  • هل لدى الشركة لجنة شرعية، ومن يشكّلها؟ ينبغي أن تكون هذه معلومة عامة.
  • هل توجد حسابات منفصلة بين صندوق المشاركين وصندوق المساهمين؟
  • ما نموذج الأجر الذي يطبّقه المُشغِّل؟ وكالة، أو مضاربة، أو هجين، وبأي نسب.
  • كم كان فائض السنة المالية الأخيرة وكم نصيبي منه؟ اسأل عن ذلك صراحةً.
  • كيف يُصرَف لي: نقدًا أم كخصم من القسط التالي؟
  • أين تُستثمَر الأموال؟
  • ماذا يحدث إن دخل الصندوق في عجز؟

توضيح أخير

كون التأمين مُهيكلًا كتأمين تعاوني لا يجعله تلقائيًا منتجًا جيدًا لك. فالتوافق مع الشريعة وجودة التغطية سؤالان مختلفان: التغطيات والاستثناءات والتحمّلات وملاءة الشركة تظل مهمة تمامًا كما هي.


هذا المقال يعرض آلية عمل التكافل، والقرارات المؤسسية الموثَّقة بخصوص التأمين، والإطار التنظيمي السعودي. وهو لا يُقيِّم توافق أي شركة أو وثيقة بعينها، ولا يشكّل استشارة، ولا يغني عن استشارة عالم مختص.


المصادر المعتمدة في هذا المقال: القراران رقم 51 ورقم 55 لهيئة كبار العلماء في السعودية، الصادران في دورتها العاشرة المنعقدة بالرياض بتاريخ 4/4/1397هـ؛ قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الصادر في دورته الأولى بمكة المكرمة بتاريخ 10 شعبان 1398هـ بخصوص التأمين بجميع صوره، كما نقلته ووثّقته IslamWeb بالكامل (الفتويان رقم 7394 و110921)، بما في ذلك موقف الشيخ مصطفى الزرقا المخالف؛ مجموعة فتاوى حول التأمين للأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي؛ نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/32 بتاريخ 2/6/1424هـ، ولائحته التنفيذية، المنشوران من هيئة التأمين السعودية وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء؛ سياسة توزيع فائض عمليات التأمين المنشورة في الدليل الرسمي (Rulebook) للبنك المركزي السعودي، بمعادلة التوزيع وحد الـ500 ريال؛ مقترح تعديل اللائحة التنفيذية المنشور في منصة استطلاع الرسمية للتشاور العام؛ وملف نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني المنشور من سعوديبيديا.