تخطَّ إلى المحتوى

كيف تعرف أن سهم تداول متوافق مع الشريعة (حلال)؟

16 سبتمبر 2026 5 ربيع الآخر 1448 هـ هـ

يبدو السؤال بسيطًا، لكنه ليس كذلك. فشركة إسمنت لا تبيع شيئًا محرَّمًا، لكن قد يكون لديها قروض بفائدة. وسلسلة سوبرماركت نشاط مباح تمامًا، لكنها تودع فوائضها في ودائع تولّد فوائد.

فأين يكمن الخط الفاصل؟

أجابت اللجان الشرعية السعودية بـمعايير رقمية محددة، ويستعرضها هذا المقال واحدًا تلو الآخر: ما النسب المطبَّقة، وماذا تفعل حين تتجاوزها شركة ما، وكيف يُحسب التطهير، ولماذا يرفض البعض هذا الطرح برمّته.

الفئات الثلاث للشركات

تصنّف اللجنة الشرعية لشركة الراجحي المالية، إحدى أكثر المرجعيات استشارة في السوق السعودي، الشركات المُدرَجة إلى ثلاثة أنواع.

النوع الأول: نشاط مباح بالكامل

شركات أغراضها وأنشطتها مباحة، دون أي مكوّن محرَّم. يجوز الاستثمار والتعامل في أسهمها، وفق القواعد العامة للبيع والشراء.

النوع الثاني: نشاط محرَّم

شركات أغراضها وأنشطتها محرَّمة. والقائمة التي تسردها اللجنة نفسها:

  • المشروبات الكحولية
  • التبغ
  • لحم الخنزير
  • القمار
  • البنوك القائمة على الفائدة
  • شركات الترفيه غير اللائق والأفلام الخليعة
  • الصناديق التي تستثمر في سندات بفائدة
  • الشركات المتخصصة في تجارة الديون

لا يجوز الاستثمار أو التعامل في هذه الأسهم إطلاقًا. لا نسب، ولا تطهير، ولا تفصيل. فهي خارج النطاق تمامًا.

انتبه للفئتين الأخيرتين، فكثيرًا ما تُنسيان: فالأمر لا يقتصر على قطاعات "الرذيلة"، بل يشمل كذلك أعمالًا مالية نشاطها المحوري هو الفائدة أو المتاجرة بالدَين.

النوع الثالث: نشاط مباح بعمليات إشكالية

هنا تكمن الغالبية العظمى من السوق، وهنا تُطبَّق المعايير الرقمية.

شركات أغراضها وأنشطتها مباحة، لكن تظهر في بعض عملياتها عناصر محرَّمة: تأخذ قروضًا بفائدة، أو تودع فوائضها بفائدة.

ولهذه الشركات وضعت اللجنة حدودًا.

المعياران الرقميان

1. الاستدانة بفائدة: حد أقصى 30%

إجمالي ما يُقترَض بفائدة، سواء طويل الأجل أو قصير الأجل، ألا يتجاوز 30% من إجمالي القيمة السوقية للشركة، على ألا تقل هذه القيمة عن القيمة الدفترية.

بمعنى: تجمع كل الديون التي تولّد فائدة وتقارنها بالقيمة السوقية. فإن تجاوزت 30%، لا يستوفي السهم الشروط.

2. الإيرادات المحرَّمة: حد أقصى 5%

مقدار الإيرادات الآتية من عنصر محرَّم ألا يتجاوز 5% من إجمالي إيرادات الشركة، سواء أتت من استثمار بفائدة، أو من عملية محرَّمة، أو من ملكية شيء محرَّم، أو من أي طريق آخر.

وتوضيح مهم من اللجنة نفسها: إن لم تكن بعض الإيرادات مفصَّلة في الحسابات، فيجب بذل جهد معقول لمعرفتها، مع التزام جانب الاحتياط.

وتقر اللجنة بأن هذه الأرقام اجتهاد

هذا التفصيل لا يُروى عادةً، وهو من الأمانة الفكرية اللافتة: فاللجنة نفسها تنبّه إلى أن النسب المحدَّدة قائمة على الاجتهاد، وقابلة للمراجعة بحسب الظروف.

فهي ليست أرقامًا موحاة. بل معيار توصل إليه فقهاء معاصرون لحل مشكلة لم تكن موجودة حين كُتبت المصنفات الكلاسيكية. وتستخدم مؤسسات أخرى مرجعيات مختلفة قليلًا: ستجد كذلك حد الدَين محدَّدًا بـثلث إجمالي الأصول بدلًا من 30% من القيمة السوقية.

الموقف الذي يرفض هذا الطرح برمّته

سيكون عرضًا ناقصًا أن نقدّم هذه النسب وكأن هناك إجماعًا، فليس الأمر كذلك.

يوجد موقف، يتبناه فقهاء معاصرون وتحمله فتاوى مرجعية، مفاده أن هذه المعايير لا تُبيح التعامل في أسهم شركات تتعامل بالفائدة، لا أخذًا ولا إعطاءً. والحجة مباشرة: المحرَّم محرَّم ولو قلّ، وهذا موقف جمهور الأمة، قديمًا وحديثًا.

ومن يتبنى هذا الموقف يقتصر على شركات النوع الأول، ولا يدخل في باب النسب أصلًا.

ولا يُعد أي من الموقفين هامشيًا. ومعرفة ذلك تتيح لك الاختيار عن علم، بدلًا من افتراض أن المسألة محسومة.

"نقية" و"مختلطة": المصطلحات التي ستجدها

في السوق السعودي، ستسمع باستمرار مصطلحين. ويعرّفهما مركز المقاصد للاستشارات الاقتصادية، الذي ينشر كل عام دراسة توافق للشركات السعودية المُدرَجة، على النحو التالي:

الشركة النقية: نشاط مباح، دون استثمارات أو تمويلات محرَّمة. وقد يكون لديها تجاوز طفيف يستلزم قدرًا من التطهير.

وتنبيه من المركز نفسه يستحق التذكر: كون الشركة مصنَّفة "نقية" لا يعني خلوّها من كل عيب، لأن هناك مسائل لا تُفصَّل في القوائم المالية.

الشركة المختلطة: نشاط مباح، لكنها استدانت بشكل غير متوافق، أو استثمرت في أدوات غير متوافقة، بنسبة لا تتجاوز ثلث إجمالي الأصول، ولديها إيرادات محرَّمة لا تتجاوز 5% من إجمالي إيراداتها.

والفارق العملي: ففي السهم النقي، الأرباح كلها لك. أما في المختلط، فعليك أن تطهّر.

حالة أرامكو: الاستثناء الذي لا يعرفه كثيرون

هذه هي النقطة الأكثر إثارة للدهشة، وهي خاصة بالسوق السعودي.

وفق المنهجية التي ينشرها مركز المقاصد، تحظى أرامكو السعودية بمعاملة مستقلة. والمنطق: لا يوجد بعد معيار لهذا النوع من الشركات، ومعظم ملكية أرامكو تعود للخزانة العامة.

وبناءً على ذلك، يخلص المركز إلى أن الاكتتاب والتداول والاستثمار في أرامكو جائز دون تطبيق المعايير السابقة، لكنه يضيف أنه، للاحتياط، يُستحسن تطهير ما ينبغي تطهيره.

والواقع أن المركز يضع أرامكو في قسم مستقل في أعلى جدوله، تحت عنوان "شركات القطاع العام". ومعيارًا عامًا مشتقًا من ذلك، تخصم دراسته حصة الحكومة أو الصناديق السيادية من المبالغ التي تُفحَص في بند القروض.

وهذا تفصيل فني له نتائج حقيقية: فثقل الدولة في البورصة السعودية يجعل تطبيق معايير مصمَّمة للشركات الخاصة بشكل آلي يعطي نتائج مضلِّلة.

التطهير: كيف يُحسب

إن كانت لديك أسهم مختلطة، فعليك التخلص من جزء الربح الآتي من إيرادات غير مباحة. وهذا هو التطهير.

المعادلة التي ينشرها مركز المقاصد:

(عدد الأسهم × معدل التطهير × عدد أيام الاحتفاظ) ÷ 365

ينشر معدل التطهير لكل سهم اللجان الشرعية بعد تحليل حسابات كل شركة.

مثال. لديك 1,000 سهم من شركة معدل التطهير المُعلَن لها 0.45 ريال للسهم سنويًا. احتفظت بها 200 يوم.

(1,000 × 0.45 × 200) ÷ 365 = 246.58 ريال يجب تطهيرها

كيف يُخرَج: يؤكد العلماء أن المبلغ يجب توجيهه بنية التخلص منه في وجوه الخير، لا بنية الصدقة ولا طلبًا لأجر عليه. فهو ليس تبرعًا: بل إعادة إلى الدورة المالية لما لم يكن لك أصلًا.

وثمة طريقة أخرى يطبّقها البعض، وهي خصم النسبة المقابلة من إجمالي الأرباح الموزعة المقبوضة والتخلص من ذلك المبلغ.

ولا تخلط بينه وبين الزكاة. فهما التزامان منفصلان يُضاف أحدهما إلى الآخر. فالتطهير لا يُعفيك من الزكاة.

قاعدة التسعين يومًا

قد تستوفي شركة اليوم المعايير، ثم تتوقف عن استيفائها غدًا. فالتوافق ليس شهادة تُمنَح مرة واحدة، بل مراقبة مستمرة، وتراجع اللجان القوائم المالية ربع سنويًا.

فماذا تفعل إن توقفت شركة في محفظتك عن استيفاء الشروط؟ تحسم اللجنة الشرعية لشركة الراجحي المالية الأمر بقاعدة محددة:

إن تغيّرت ظروف الشركات بحيث لم تعد تنطبق عليها المعايير السابقة، فيجب المبادرة إلى التخلص منها ببيع أسهمها بالقدر الممكن، على ألا تتجاوز مهلة الانتظار تسعين يومًا من تاريخ العلم بالتغيّر.

تسعون يومًا من لحظة علمك أنت. لا من لحظة نشر الشركة لحساباتها: بل من لحظة اطلاعك أنت.

كيف تتحقق من ذلك عمليًا

لست بحاجة لتحليل الميزانيات بنفسك. هناك موارد متاحة:

  • قوائم اللجان الشرعية لشركات الوساطة المالية السعودية. تنشر الراجحي المالية بشكل دوري تصنيفها لأسهم السوق.
  • مركز المقاصد، الذي ينشر الدراسة السنوية لتوافق الشركات السعودية المُدرَجة، ويقدّم حاسبة تطهير.
  • المؤشرات البورصية المتوافقة مع الشريعة، التي تطبّق منهجياتها الخاصة في الفرز.
  • الصناديق المتوافقة مع الشريعة، حيث تقوم الجهة المديرة بالفرز نيابة عنك. تفصيل ذلك في دليلنا عن صناديق الاستثمار للمبتدئين.

تنبيه مهم: تطبّق مصادر مختلفة معايير مختلفة، وقد يظهر السهم نفسه مقبولًا في قائمة وغير مقبول في أخرى. ليس لأن إحداها تكذب: بل لأنها تعتمد مرجعيات مختلفة، وقد رأينا السبب. اختر مصدرًا تفهم معياره والتزم به.

أخطاء شائعة

  • الاعتماد على القطاع فقط. فكون الشركة صناعية لا يخبرك بشيء عن هيكلها المالي.
  • التحقق مرة واحدة ثم النسيان. فالحسابات تتغير كل ربع سنة.
  • الخلط بين التطهير والزكاة. فهما أمران منفصلان يُضافان معًا.
  • تطهير على سعر السهم بدلًا من المعدل المُعلَن وأيام الاحتفاظ.
  • افتراض أن "نقية" تعني كاملة. ومركز المقاصد نفسه ينبّه إلى عكس ذلك.
  • افتراض أن المعايير عالمية موحَّدة. فهي اجتهاد، واللجنة التي تنشرها تقول ذلك بنفسها.

وللزكاة

أسهمك في تداول جزء من ثروتك الزكوية، بصرف النظر عن كونها نقية أو مختلطة. ويتوقف الحساب على النية التي اشتريتها بها، وفصّلنا ذلك خطوة بخطوة في دليلنا عن زكاة الأسهم والصناديق.


هذا المقال يعرض المعايير المنشورة من لجان شرعية ومراكز دراسات سعودية، وكذلك المواقف المخالفة لها. وهو ليس استشارة مالية ولا توصية استثمارية، ولا يُقيِّم أي سهم بعينه، وكاتبه ليس مستشارًا ماليًا مرخَّصًا. وكل استثمار يحمل مخاطرة. للقرارات المحددة، استشر مختصًا مرخَّصًا؛ وللشك في توافق شركة بعينها، استشر عالمًا مختصًا.


المصادر المعتمدة في هذا المقال: معايير اللجنة الشرعية لشركة الراجحي المالية بخصوص تصنيف الشركات السعودية المُدرَجة، وحدَّي الاستدانة بفائدة (30%) والإيرادات المحرَّمة (5%)، إلى جانب قاعدة التسعين يومًا، المنشورة عبر أرقام والمنقولة عبر النسخة العربية من Investing.com؛ منهجية دراسة الشركات لمركز المقاصد للاستشارات الاقتصادية، بإشراف الدكتور محمد سعود العصيمي، بما فيها تعريف الشركة النقية والمختلطة، ومعادلة حساب التطهير، والمعاملة الخاصة بأرامكو السعودية والحصص الحكومية؛ فتوى IslamWeb (رقم 70353) بخصوص الموقف الرافض للتعامل في أسهم الشركات التي تتعامل بالفائدة؛ ومادة توعوية حول المراجعة ربع السنوية والتطهير في الصناديق المتداولة الإسلامية، منشورة من المراقب.