تخطَّ إلى المحتوى

ما هي ساما، وكيف تنظّم المصرفية الإسلامية في السعودية؟

17 سبتمبر 2026 6 ربيع الآخر 1448 هـ هـ

إن قرأت مقالات هذا الموقع عن البنوك والتمويل الإسلامي، فمن المؤكد أنك مررت باختصار "ساما" عدة مرات: في قواعد تمويل السكن، وفي إطار حوكمة الشريعة، وفي وثائق تأمين المركبات. يتوقف هذا المقال عند المؤسسة نفسها: ما هي، ومن أين جاءت، وماذا تفعل بالضبط في المجال المحدد للمصرفية الإسلامية.

ما هي ساما اليوم

ساما هي البنك المركزي للسعودية. وتغطي مهمتها ما يُتوقَّع من أي بنك مركزي: تدير السياسة النقدية للمملكة، وتحفظ احتياطياتها من العملات الأجنبية — من بين الأكبر في العالم — وتُصدر العملة، وتحافظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف.

وسياستها الأكثر حسمًا، والسارية منذ 1986، هي ربط سعر صرف الريال بالدولار، عند 3.75 ريال للدولار. ويُلزِم ذلك الربط ساما بمواءمة أسعار الفائدة المرجعية لديها بدقة مع أسعار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما يجدر تذكّره إن كنت تتابع عن كثب أي منتج تمويل بمرجعية متغيرة.

لكن مهمة ساما تتجاوز السياسة النقدية بكثير: فهي تُشرف على جميع البنوك التجارية العاملة في المملكة، سعودية كانت أم فروعًا أجنبية، إضافة إلى شركات التمويل، وقطاع التأمين — حتى انتقل جزء من تلك الوظيفة إلى هيئة مستقلة عام 2023 — وقطاع المعلومات الائتمانية، وصناعة التقنية المالية.

من أين جاء الاسم، ولماذا تغيّر مرتين

هنا تاريخ أكبر مما يعرفه معظم الناس، ويساعد على فهم لماذا لا يزال اختصار "ساما" مستخدَمًا رغم أن الاسم الرسمي للمؤسسة لم يعد يطابقه.

1952: تُولَد كمؤسسة. تأسست في 20 أبريل 1952 (25 رجب 1371هـ)، في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز، تحت المسمى الأصلي مؤسسة النقد العربي السعودي، لضبط الاضطراب النقدي الذي كانت تشهده المملكة آنذاك. وهي ثاني أقدم بنك مركزي في العالم العربي. وكان أول محافظ لها، جورج بلوارز، أمريكي الجنسية، وسبق له العمل في إدارة خطة مارشال الأوروبية.

وقبل إنشائها، كان بنك الهولندي السعودي — فرع تابع لكيان هولندي منذ 1926 — من يقوم فعليًا بدور البنك المركزي: يحفظ احتياطيات المملكة من الذهب ويستلم عائدات النفط نيابة عن الحكومة.

2016: من مؤسسة إلى هيئة. تحوّل الاسم إلى Saudi Arabian Monetary Authority، محتفظًا بالاختصار نفسه.

2020: من هيئة إلى بنك مركزي. في 24 نوفمبر 2020، أقرّ الملك سلمان نظام البنك المركزي السعودي الجديد، الذي أعاد تسمية المؤسسة إلى البنك المركزي السعودي، مرتبطًا مباشرة بالملك وباستقلالية مالية وإدارية معزَّزة، تماشيًا مع الممارسات الدولية للبنوك المركزية. ونص النظام صراحة على أن الكيان الجديد يحل محل ساما في جميع حقوقها والتزاماتها.

وهنا التفصيل الذي يفسر لماذا لا نزال نتحدث عن "ساما" في 2026: فرغم تغيير المسمى الرسمي، قررت المؤسسة الإبقاء على اختصار SAMA، لكونه معروفًا على نطاق واسع دوليًا. بل إن الأوراق النقدية الصادرة تحت الاسم السابق استمر تداولها بشكل طبيعي بعد التغيير.

كيف وصلت ساما إلى تنظيم المصرفية الإسلامية تحديدًا

هذه هي النقطة الأكثر أهمية لهذا الموقع، وحيث يجدر تفكيك فكرة قديمة لا تزال متداولة: تكرر لسنوات أن ساما "لا تميّز" بين المصرفية الإسلامية والتقليدية لأنها لا تمنح ترخيصًا منفصلًا. ويظل ذلك صحيحًا بمعنى واحد — لا توجد فئة رسمية "بنك إسلامي" مقابل "بنك تقليدي" — لكن منذ 2020 بنت ساما فعلًا إطارًا تنظيميًا خاصًا بالنشاط المصرفي المتوافق مع الشريعة. فصّلنا ذلك بالتفصيل في مقالنا عن كيفية معرفة أن منتج بنكك متوافق فعلًا، ونلخّصه هنا كجزء من المهمة العامة للمؤسسة.

أجزاء الإطار، بترتيب زمني

فبراير 2020 — إطار الحوكمة الشرعية. وصفته ساما نفسها بأنه المرحلة الأولى من إطار إشرافي مخصَّص للمصرفية الإسلامية. يضع الحد الأدنى من المتطلبات ويوزّع المسؤوليات بين مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، واللجنة الشرعية، والالتزام، والمخاطر، والتدقيق الداخلي لكل بنك يقدّم منتجات متوافقة.

2022-2023 — إطار إدارة المخاطر. دخل حيز التنفيذ إطار أول للمخاطر خاص بالمصرفية الإسلامية عام 2022، حلّت محله في نوفمبر 2023 نسخة منقَّحة: إطار إدارة المخاطر للمصرفية المتوافقة مع الشريعة.

31 ديسمبر 2024 — متطلبات الإفصاح. دخلت حيز التنفيذ متطلبات الإفصاح المتعلقة بالحوكمة الشرعية، وتسري على كل بنك محلي مرخَّص من ساما يمارس نشاطًا متوافقًا مع الشريعة. وتضع حدًا أدنى من معايير الشفافية يجب أن تستوفيها تلك البنوك.

والخلاصة التي سبق أن قدمناها في مقال آخر، وتناسب هنا كملخص للدور المؤسسي لساما: لا يُصنِّف المنظِّم الجهات، لكنه ينظِّم النشاط. فأي بنك يقدّم منتجات إسلامية مُلزَم، سواء وُجدت "رخصة إسلامية" أم لا، بأن يكون لديه لجنة شرعية بمهام محددة، وأن يدير المخاطر الخاصة بذلك النشاط، وأن يُفصِح عن حوكمته.

أبعد من المصرفية: بقية المنظومة الإسلامية التي تلمسها ساما كذلك

لا تنظّم ساما البنوك فقط. فبصمتها في التمويل الإسلامي بالمملكة تظهر في عدة جبهات سبق أن تناولناها في هذا الموقع:

  • التأمين التعاوني. أشرفت ساما على قطاع التأمين السعودي، المبني بالكامل على نموذج التكافل، حتى انتقلت الوظيفة إلى هيئة تأمين مستقلة في نوفمبر 2023. والوثائق الموحَّدة للمركبات، وقواعد التأمين الصحي التعاوني، وسياسة توزيع الفائض التي أشرنا إليها في مقالاتنا عن التكافل وتوزيع فائضه، مصدرها في جزء كبير منها أنظمة أصدرتها ساما قبل ذلك الانتقال.
  • تمويل السكن. حدود التمويل التي ذكرناها في مقالاتنا عن المرابحة والإجارة — حتى 90% في المسكن الأول، وحتى 70% في الثاني عبر البنوك — قواعد من ساما.
  • الصيرفة المفتوحة والتقنية المالية. كانت ساما المحرك التنظيمي خلف تفويضات الصيرفة المفتوحة وأطر ترخيص التقنية المالية، وهو مجال رأينا فيه أن مصرف الإنماء كان رائدًا في المملكة.

ملاحظة حول رؤية 2030

تظهر ساما بشكل متكرر بوصفها إحدى الجهات المحورية في برنامج تطوير القطاع المالي، إحدى المبادرات الرائدة لرؤية السعودية 2030. ويشمل دورها هناك تعميق الوساطة المالية، وتوسيع المدفوعات الرقمية، وتوسيع الشمول المالي، وتطوير قطاع التأمين. ومنتج الادخار "صح"، الذي حللناه في مقالنا عن الصكوك، وُلد تحديدًا ضمن هذا البرنامج نفسه.

ما لا تفعله ساما

لنختم دون غموض: ساما لا تُصدر فتاوى ولا أحكامًا دينية بشأن منتجات بعينها. تلك الوظيفة تعود للجان الشرعية في كل جهة، ولمؤسسات مثل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أو هيئة كبار العلماء، التي استشهدنا بها في مقالات عديدة بهذا الموقع. ودور ساما تنظيمي ورقابي مالي: تشترط وجود حوكمة شرعية، لكنها لا تحل محلها.


يصف هذا المقال مهمة وتاريخ البنك المركزي السعودي. وهو لا يشكّل استشارة مالية ولا يُقيِّم أي جهة بعينها.


المصادر المعتمدة في هذا المقال: التاريخ الرسمي لساما المنشور في موقعها وفي سعوديبيديا، بما فيه تاريخ التأسيس عام 1952 وتغيّرات المسمى؛ تغطية أرقام والبيان الرسمي لساما بخصوص نظام البنك المركزي السعودي وتغيير الاسم في نوفمبر 2020؛ مقال من Central Banking حول تاريخ أسماء المؤسسة (من مؤسسة إلى هيئة عام 2016، من هيئة إلى بنك مركزي عام 2020) وقرار الإبقاء على اختصار SAMA؛ صفحة ويكيبيديا عن البنك المركزي السعودي، ببيانات الاحتياطيات والحوكمة؛ دليل حول التنظيم المصرفي والمالي السعودي (ساما، التقنية المالية، الصيرفة المفتوحة) منشور من Vision2030.ai؛ وملف حول دور ساما ضمن برنامج تطوير القطاع المالي لرؤية 2030، من Vision2030.ai أيضًا. أما الإطار الخاص بحوكمة الشريعة والمخاطر والإفصاح، فراجع المصادر المذكورة في مقالنا عن المنتجات المصرفية المتوافقة مع الشريعة.